سيد محمد طنطاوي
203
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فقوله - سبحانه - * ( يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ . . ) * نداء من اللَّه تعالى - لهن ، على سبيل الوعظ والإرشاد والتأديب ، والعناية بشأنهن لأنهن القدوة لغيرهن ، والفاحشة : ما قبح من الأقوال والأفعال . والمعنى : يا نساء النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من يأت منكن بمعصية ظاهرة القبح ، يضاعف اللَّه - تعالى - لها العقاب ضعفين ، لأن المعصية من رفيع الشأن تكون أشد قبحا ، وأعظم جرما . قال صاحب الكشاف : وإنما ضوعف عذابهن ، لأن ما قبح من سائر النساء ، كان أقبح منهن وأقبح ، لأن زيادة قبح المعصية ، تتبع زيادة الفضل والمرتبة . . وليس لأحد من النساء ، مثل فضل نساء النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ولا على أحد منهن مثل ما للَّه عليهن من النعمة . . ولذلك كان ذم العقلاء للعاصي العالم : أشد منه للعاصي الجاهل ، لأن المعصية من العالم أقبح « 1 » . وقد روى عن زين العابدين بن علي بن الحسين - رضى اللَّه عنهم - أنه قال له رجل : إنكم أهل بيت مغفور لكم ، فغضب ، وقال : نحن أحرى أن يجرى فينا ، ما أجرى اللَّه - تعالى - على نساء نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من أن لمسيئنا ضعفين من العذاب ، ولمحسننا ضعفين من الأجر . وقوله - سبحانه - : * ( مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ . . ) * جملة شرطية . والجملة الشرطية لا تقتضي وقوع الشرط ، كما في قوله - تعالى - : ولَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ . . وكما في قوله - سبحانه - : ولَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أن منزلتهن - رضى اللَّه عنهن - لا تمنع من وقوع العذاب بهن في حالة ارتكابهن لما نهى اللَّه - تعالى - عنه ، فقال : * ( وكانَ ذلِكَ عَلَى ) *
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 536 .